مصطفى الخاني: قدمنا الأعمال التاريخية من أجل المستقبل .. ومعظم الدراما العربية صنعت للتسلية فقط

مصطفى الخاني: قدمنا الأعمال التاريخية من أجل المستقبل .. ومعظم الدراما العربية صنعت للتسلية فقط

أجرت جريدة النهار اللبنانية حواراً مع الفنان مصطفى الخاني تحدث فيه عن مسيرته الفنية وأعماله وعن واقع الدراما السورية والعربية بشكل عام:

نكاد لا نرى وجهاً مشابهاً للآخر في أدوار الفنان السوري مصطفى الخاني. يتقمص شخصيات شديدة الاختلاف في أدائها ومظهرها، وينجح كل مرة في ترك أصداء إيجابية، مضحكة ومبكية ومُربكة. بين التراجيديا والكوميديا، يفاجئ جمهوره كل مرة بإطلالة درامية مميزة تسجل بصمة في قائمة أعماله التي ينتقيها بتأنٍ منسجم مع مكانته لدى الشارع العربي، ومع فنه المتنوع وإخلاصه للتجسيد المُبهر لشخصيات من ذاكرة التاريخ وملامح الحاضر. أما على الصعيد الشخصي، فثقافته ومرونته في الكلام هي محط إعجاب كل إنسان منفتح. المفزع والمُفرح بأدواره، "أبو ليلى" في هذا اللقاء الصريح. 
 

تحرص على الأدوار المميزة والجريئة بطرحها. أي شخصياتك كانت الأصعب وهل خفت يوماً على حياتك من تداعيات أعمالك؟

أحاول دائماً البحث عن الشخصيات التي تحمل خصوصية، وإلى حد ما تقدم أطروحات جديدة ومختلفة وربما أحياناً إشكالية، وبشكل فني جديد. هذا ما أحاوله، ولكن الى أي مدى أوفّق بذلك فهذا أمر يختلف من عمل إلى آخر. أما الشخصية الأصعب فلكل شخصية أعمل عليها صعوبة تختلف عن باقي الشخصيات، ويعود ذلك لخصوصية كل شخصية ومتطلباتها. ولكن ربما شخصية الملك المجذوم في "صلاح الدين الأيوبي"، وخرطوش في "حمام شامي" والشيخ حامد في "مقامات العشق" من الشخصيات التي تطلبت مني جهوداً مضاعفة. وأيضاً خصوصية مسلسل "شيفون"، وذلك لأنني قدمت فيه خمسة كركتيرات حاولت أن تكون بعيدة كل البعد عن بعضها بعضا، فلا يكون أي تشابه في ما بينها وعلى كل الصعد.
 
أما عن سؤالك إذا كنت خفت يوماً على حياتي من تداعيات أعمالي، فمن دون شك لا. فأنا أولاً مقتنع بأي طرح فكري لكل من الأعمال التي شاركت بها، مع التأكيد أنه ربما أقدم شخصية سيئة أو سلبية، ومن واجبي كممثل أن أتبناها وأتبنى أفكارها خلال أدائها، وبالتالي أدافع عنها وأوجد لها كل المبررات المنطقية من وجهة نظرها. ولكن مقولة العمل الكلية هي إدانتها والتحذير منها. 
 
وثانياً لو كنت أخاف من تداعيات أعمالي أو تصريحاتي لكنت ببساطة ما قمت بها. فعندما يقوم المرء بما هو مقتنع به ومؤمن به فمن الطبيعي حينها ألا يجد الخوف إليه سبيلاً. وهذا الأمر الذي زرعته عائلتي بي منذ كنت طفلاً.
 
إلى أي مدى أنت راضٍ عن رصيدك الفني وما هو الدور - الحلم الذي تنتظره؟

على صعيد الكم ربما في رصيدي نحو ثلاثين عملاً خلال عشرين عاماً. وبرأيي هذا رقم منطقي للممثل. أما على صعيد النوع فأنا أشعر بالرضا عن كل التجارب التي قدمتها ولا أندم على أي عمل قدمته حتى الآن، حتى العمل الذي لم أوفّق به كان بالنسبة الي حجر أساس هام بنيتُ عليه نجاح أي عمل بعده. فأنا من أشد وأقسى المنتقدين لنفسي. وأتابع ما أقدمه بالمجهر بحثاً عن أخطائي وهفواتي، وذلك كي لا أعاود الوقوع بها مستقبلاً. ولا أسمح لأي نجاح أو لإطراءات الناس ومديحهم مهما بلغت أن تكون مخدّراً يجعلني أسترخي وأستكين ... على العكس تكون بالنسبة الي محرّضاً للبحث أكثر ولتقديم الأفضل.
ودور الحلم بالنسبة لي هو أي دور يقدّم أوجهاً جديدة مني كممثل تختلف عن كل ما سبق وقدمته. وكلما كان الدور أصعب كان التحدي أهم، وبالتالي متعة النجاح فيه أكبر.
 
ما هو مشروعك الفني وهل تركت الحرب بصماتها على هويتك كفنان؟

ربما عبارة "مشروعي الفني" كبيرة. ولكن ما أستطيع قوله إن ما أحاول العمل عليه فنياً خلال مسيرتي المهنية هو تقديم مجموعة من الشخصيات المختلفة والبعيدة كل البعد عن بعضها بعضا، ضمن أعمال على سوية فنية جيدة وتحمل من المتعة والفائدة القدر الأكبر الذي نستطيع الوصول إليه، وأن تترك تأثيراً كبيراً لدى المتلقي. ومن دون شك تركت الحرب بصماتها عليّ أولاً كإنسان وثانياً كفنان. ومن الطبيعي أن يكون لها انعكاس على ما أقدمه من أعمال. فالإنسان بعامة والفنان بخاصة هو كتلة من المشاعر والأحاسيس يتفاعل مع محيطه ويتلقى كل ما حوله. ينصهر ذلك في داخله، ومن ثم يعاد إنتاجه من خلال الانعكاس غير المباشر على ما يقدم من أعمال.
 
بدأت مشوارك الفني مع الدراما التاريخية، ماذا لو أردت اليوم أن تؤدي دوراً يستشرف المستقبل أو غداً أفضل؟

حتى عندما كنا نقدم الأعمال التاريخية كنا نقدمها من أجل المستقبل، وإلا كنا اكتفينا بقراءة كتب التاريخ ولم نقمْ بتحويلها أعمالا درامية ممتعة، فيها من الدروس والعبر والخبرات والتجارب ما يمكن أن يفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا. ولكن يبقى السؤال: إلى أي مدى نحن نتعلم؟ أو إلى أي مدى نحب أن نتعلم؟ أو إلى أي مدى نوافق على أن نتعلم؟! فالتعلم بحاجة أولاً إلى الوعي بما لدينا من نقص أو من جهل. ومن ثم إلى القرار وإرادة التعلم، أي قرار التطوّر والانتقال إلى الأفضل.
 
كيف تصف علاقتك الوطيدة بالخيل وتأثيرها الإيجابي في أعمالك التاريخية؟

علاقتي بالخيل علاقة تعلّق وتأثّر ووله منذ الطفولة. تعلمت منها الكثير، فهذا المخل
وق الذي هو رمز الأصالة سيتأثر به ويتعلم منه من يعرفه عن قرب ويعيش معه. وأتمنى أن أكون تأثرت به وتعلمت منه شيئاً من الفروسية ومن أخلاق الفرسان. ومن دون شك استفدت كثيراً من خبرتي مع الخيل في الأعمال التاريخية التي قدمتها من خلال تقديم مجموعة من الحركات الصعبة فوق الخيل وأدائي للعديد من المشاهد الخاصة مع هذا المخلوق النبيل، وكان ذلك في أكثر من مسلسل.
 

 ما هي قمة خسارة الدراما السورية في السنوات الأخيرة؟

الدراما السورية هي صناعة فنية، وبالتالي خسارتها كانت مثل كل الصناعات السورية خلال سنوات الحرب. فقدت العديد من كفاءاتها، وفقدت رأس المال الواعي من خلال غياب عدد من المنتجين الهامين الذين كان مشروعهم الفني والفكري لا يقل عن مشروعهم الاقتصادي والربحي.
 
الدراما العربية اليوم تطالب أكثر بالنجم السوري كوجه رجالي والممثلة اللبنانية كوجه نسائي في أدوار البطولة، كيف توصّف هذه الحالة؟

هذا لأنها اعتمدت على نجوم شباب سوريين جيدين وممثلات لبنانيات جيدات يجمعن الجمال والأداء، وبالتالي كانت هذه التجارب ناجحة بسبب الاختيارات الصحيحة. ولكن هذا لا يعني أنه لا ممثلات سوريات جميلات وقامات كبيرة في الأداء. وفي المقابل أيضاً هناك ممثلون لبنانيون شباب على سوية عالية جداً. فالإبداع والموهبة لا يرتبطان بالهوية أو الجنسية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، استطاع الممثل السوري منذ بداية التسعينات، أي مع بداية عصر القنوات الفضائية، وبسبب نجاح الدراما السورية وانتشارها عربياً، من أن يحصد جماهيرية واسعة، وبالتالي نجومية كبيرة في الشارع العربي. ومن الطبيعي اليوم أن يحاول أي منتج حالي لأي عمل فني عربي الاستفادة من عناصر كهذه لدعم منتجه الدرامي. ولكني أستغرب كل من يركز على هذا الموضوع عنصرياً. فمن الطبيعي أن نستفيد جميعاً من خبرات بعضنا بعضا لتقديم العمل الأفضل على الصعيد الفني، بغضّ النظر عن أي اعتبارات عنصرية. وأمامنا تجربة هوليوود لنتعلم منها وكيف أنهم يستفيدون من أي موهبة ويوظفونها في مكانها الصحيح بغضّ النظر عن جنسيتها أو البلد الذي أتت منه. وأنا شخصياً أتمنى وأحلم بأن يجمع الفن ما فرّقته السياسة.
 
كيف تقرأ تعبير "ذوبان هوية الدراما" الذي يقال إنه ثمرة الدراما العربية التي تبتعد عن خصوصية المجتمعات؟

للأسف معظم (وليس جميع) الأعمال العربية المشتركة التي أنتجت في السنوات الأخيرة كانت أعمالاً صُنعت على أنها أعمال ترفيهية للتسلية فقط. وهذا ليس خطأً، فهذا نوع من أنواع الدراما. ولكننا افتقدنا بالمقابل الأعمال العربية المشتركة التي تحمل العمق والطرح الفكري والاجتماعي الهام. وهو الأمر الذي كنا نشاهده غالباً في الأعمال السورية أو المصرية، لأنها أعمال استطاعت الغوص والتعمق في تفاصيل مجتمعها، وبالتالي كانت تعبق بأرواح هذه المجتمعات، ولهذا تركت تأثيراً كبيراً وكانت أعمالاً تنبض بالحياة. ولكن للأسف عندما أتت الأعمال العربية المشتركة أو ما يسمى بالـ"بان أراب" لم تبحث ولم تغص في أعماق هذه العلاقات التي تقدمها، وبالتالي عالجت قضاياها معالجةً سطحية، مركزةً اهتمامها على الجانب المسلّي والمشوّق فقط إلا بعض الاستثناءات. مع التذكير بأن الأعمال القديمة التي كانت تقدم من الطرح الفكري ومن العمق الكثير كانت أيضاً أعمالاً تحقق شرط المتعة، لأنه طبعاً من متطلبات أي عمل درامي.
 
هل تبدّل مفهوم النجومية لدى جيل الشباب في الآونة الأخيرة وفي "السوشيل ميديا" الذي يسرّع خطوات الانتشار؟

للأسف في هذه الأيام أصبحت النجومية هدفاً، بينما عند جيلنا كانت نتيجة. كنا منذ بداياتنا نطمح لتقديم أدوار ناجحة ومتميزة لا نخجل بها وبمستواها الفني أمام أساتذتنا الذين سبق أن درّسونا في المعهد العالي للفنون المسرحية. وكان الاجتهاد والغوص بالتفاصيل والبحث عن كل ما هو متميز وعن الخصوصية الفنية هو هاجسنا، وهو الذي كان يشعل روح المنافسة في ما بيننا. ونتيجة ذلك كنا نحصد النجاح وكانت تأتي الشهرة أو النجومية أحياناً نتيجة طبيعية لكل ذلك وكانت تحصيل حاصل. بالتأكيد نحبها، ولكنها لم تكن الهدف الذي نسعى إليه بل كان هدفنا هو التميز والنجاح بإيجاد البصمة الفنية. بينما اليوم عند أغلب أبناء الجيل الجديد، وطبعاً ليس جميعهم، ولكن أتكلم عن حالة سائدة لا عن الاستثناءات، هدف الفنان الشاب أصبح هو الوصول الى الشهرة والنجومية وبأقل جهد ممكن وبأقل بحث ممكن وبأقل وقت ممكن. وما أحب أن أضيفه هنا أن الوصول الى الشهرة ليس بالأمر الصعب في زمن "السوشال ميديا". أي شخص يستطيع القيام بأمر غريب ويصبح مشهوراً خلال أيام، أو أن تقوم فتاة بالتعرّي فتصبح مشهورة وحديث الجميع. الأمر الصعب والتحدي الأكبر هو أن تستطيع الوصول الى النجاح والتميّز، وأن تكون شهرتك نتيجة لذلك.
 
هل تستهويك أعمال السير الذاتية؟ وهل برأيك أنصفت عطاءات المرأة السورية من خلالها، خصوصاً أن ثمة شخصيات سورية راحلة وعلى قيد الحياة تستحق تناولها في الأعمال الدرامية مثل الكاتبة غادة السمان أو المناضلة السورية نازك العابد...؟ 

بالتأكيد لأعمال السيرة الذاتية خصوصية جميلة كونها تتكلم عن شخصيات ناجحة ورائدة وتعيش في الوجدان الجمعي للمجتمع. ولكن طبعاً بشرط تقديمها بشكل درامي ممتع ومشوّق. وأن لا يكون مستوى إتقان العمل أقل من إتقان نتاج هذه الشخصيات التي نتكلم عنها. وهذا طبعاً أمر صعب وتحدٍّ كبير. أما في ما يخص إن كانت قد أنصفت المرأة فأنا أعتقد أننا مقصرون عموماً باتجاه تقديم رموزنا التاريخية والاجتماعية والأدبية والفنية والاستفادة منهم.
وتقصيرنا هو عمومي أي في ما يخص المرأة والرجل. فنحن كمجتمعات شرقية غالبية أبطالنا التاريخيين ورموزنا هم من الرجال، فمن الطبيعي أن تكون أعمال السير الذاتية أكثر عن الرجال بسبب طبيعة المجتمع والتاريخ لبلادنا. ولكننا مع ذلك قدمنا في الدراما السورية العديد من رموز السيدات مثل زنوبيا والخنساء وشجرة الدر، وفي مسلسل حرائر تحدثنا عن نازك العابد وماري عجمي. ومن دون شك هناك الكثير من الرائدات والمبدعات اللاتي يستحققن أن نقدمهن من خلال أعمال سيرة ذاتية تطرح تجربتهن. ولكن هذا الأمر مرهون أولاً وأخيراً بخيارات الجهات المنتجة والقنوات الفضائية.
 
إن أردت التصفيق كمشاهد لعمل سوري أو عربي، ماذا تختار ولماذا؟

ضمن أعمال العام الماضي التي شاهدتها، وبالتأكيد لم أشاهد كل الأعمال، ولكن من بين ما شاهدت أختار مسلسل "أولاد آدم" لأنه بصراحة كان عملاً شبه متكامل من كل النواحي. فقد انطلق من نص قوي ومتماسك، وبرؤية إخراجية هامة ومتميزة، وبجهة إنتاجية ذكية وواعية قدمت للعمل كل ما يحتاجه. وغالبية ممثلي المسلسل كانوا في هذا العمل بأفضل حالاتهم وبأعلى مستوى أداء لهم. وأيضاً الجانب التقني والفني للعمل، أي أن جميع عناصر العمل الجيدة كانت متوافرة بين أيدي أشخاص مبدعين، وبالتالي طبيعي أن يحصد العمل ما حصده من نجاح. فقد كان يحمل من العمق والبساطة والمتعة الكثير... هذه المعادلة التي ليس من السهل تحقيقها في العمل الدرامي.
 

 
هل تعتقد بالكاريزما وبأنها تكون أو لا تكون ولا يستطيع النجم أو النجمة مهما قدّم من جهد وأداء أو تعديل مظهر أن يلمعا ويصنعا جماهيرية؟

الكاريزما شيء والنجومية شيء آخر. فالنجومية في عصرنا ممكن أن تكون صناعة. أما الكاريزما فهي من رب العالمين ولا يمكن اكتسابها. يمكن العمل على تطويرها لمن يمتلكها ولكن لا يمكن زرعها في شخص غير موجودة لديه، شأنها شأن الموهبة. أما الجماهيرية والنجومية، فهي أمر إن كانت مع شخص موهوب لديه كاريزما فحينها تكون حقيقية وقابلة للاستمرار لأنها مبنية على عناصر وأسس حقيقية ومتينة.
 
درست في الدفعة نفسها مع تيم حسن واجتمعت معه في البدايات في الزير سالم عبر شخصية "جحدر". كيف تستذكر البدايات؟ وما هو رأيك الفني كأكاديمي بتوالي أجزاء "الهيبة" وتطوّر شخصية زميلك "جبل"؟

للبدايات عفويتها وبساطتها وذكرياتها الجميلة التي تبقى طول العمر تدغدغ أرواحنا وتلامسها من الداخل، شأنها شأن أيام الطفولة بما تمتلكه من سحر. أما مسلسل "الهيبة"، فلا شك بأنه أحد أكثر المسلسلات العربية نجاحاً في السنوات الأخيرة. ويحاول القائمون عليه أن يحافظوا في كل جزء على جانب التسلية والتشويق الذي يقدمونه ونجحوا بذلك. وبرأيي من الذكاء استثمار نجاح أي عمل عندما يصل إلى هذه الدرجة من الجماهيرية من خلال أجزاء جديدة. طبعاً شرط الحفاظ على المستوى الفني وتطويره وتقديم ما هو جديد في كل جزء. الأمر الذي عملت عليه أسرة مسلسل الهيبة وتوفقت به ابتداءً من النص إلى الإخراج والإنتاج. أما عن تطور شخصية جبل، فتيم من الممثلين الموهوبين والأذكياء الذين يعون مدى أهمية تطور شخصيته على مدى الأجزاء المتلاحقة كي لا تقع في مطب الروتين والتكرار. وقد استطاع العمل على ذلك جيداً وباحتراف، واستطاع الحفاظ على جماهيرية الشخصية التي قدمها، بل وازدادت تباعاً مع كل جزء جديد. هو ممثل متكامل لديه كل الإمكانات والمقومات التي تؤهله لحصد المزيد من النجاحات التي يستحقها بجدارة. 
 
ما أكثر ما يستوقفك في صناعة الدراما عربياً وسورياً؟

يستوقفني ما يمكن أن نطلق عليه (الموضة) التي تسود في كل فترة بعد نجاح كبير لعمل ما. ومن ثم يتم استنساخ هذا العمل على مدى سنوات عدة ثم تختفي. فمثلاً سادت فترة موضة أعمال الفانتازيا التاريخية، ثم المسلسلات التاريخية، ثم أعمال البيئة الشامية، ثم مسلسلات العشوائيات، ثم مسلسلات اللوحات الكوميدية، ثم المسلسلات التي تتحدث عن الإرهاب، ثم ما يسمى بالـ"بان أراب" ... علماً أن العمل الأول من كل نوع نجح لأنه أتى بشكل جديد ومختلف عما هو سائد. ولكن للأسف يتم استنساخه لسنوات عدة إلى أن يظهر نوع جديد ويسود. وهنا يكمن الفرق بين المنتج والمخرج وصاحب الرؤية الفنية الذين يمتلكون مشروعاً فنياً إبداعياً، وبين المخرج أو المنتج اللذين يقومان بتقليد عمل ناجح ويقومان بتنفيذ عملهما بأحسن الأحوال بشكل مدرسي جيد.
 
تألقت عبر الشيخ توفيق في "ما ملكت أيمانكم" والشيخ حامد في "مقامات العشق"، وقدمت اختلافاً كبيراً بالأداء بين الشخصيتين رغم أن معطياتهما متشابهة. لكن هل أدوار الشر والخداع والتطرف تظلم الممثل أحياناً؟
 
اختلاف أي شخصية جديدة أقدمها عن كل ما سبق وقدمته من شخصيات، بالنسبة الي هو تحدّ دائم. ونوع كهذا من الشخصيات السلبية أو الشريرة لا يظلم الممثل، ولكن ربما يؤثر عند شريحة من المتلقين الذين يتماهون مع الشخصية إلى درجة تنسيهم الشخص المؤدي لها. وبالتالي ومن منطلق عاطفي قد يحكمون على الشخص على أنه هو نفسه هذه الشخصية. هذا طبعاً عند البعض من الجمهور ولفترة معينة، ولكن من ناحية أخرى نوع كهذا من الشخصيات غالباً يكون مغريا للممثل لتقديم قدراته التمثيلية، وبخاصة إذا كانت مكتوبة جيداً. ففي كثير من الأحيان، عند قسم كبير من الكتّاب، تكون الشخصيات السلبية مكتوبة بشكل أفضل من الشخصيات الإيجابية التي يقدمونها غالباً على أنها أحادية الجانب. بينما الشخصيات السلبية تكون مركبة أكثر وعوالمها النفسية والدرامية أكثر غنى. هذا عند الغالبية وليس عند الجميع طبعاً.
 
ما هي نظرتك إلى الأعمال الدرامية المستوحاة من الغرب أو النسخات العربية من أعمال جماهيرية تركية وغيرها التي تحمل صفة التعريب في خطها الدرامي؟

معظمها حتى الآن ترك نجاحاً آنياً في فترات عرضها فقط. ربما مثل الفرق بين أغاني العمالقة التي تعتمد على كلمات جيدة ولحن جميل وصوت متميز، ولذلك بقيت حيّة ويستمع لها الجمهور منذ نحو نصف قرن حتى الآن. وبين معظم أغاني اليوم التي ربما تحصد نجاحاً مدوياً عند صدورها ولكن سرعان ما ينساها الجمهور بعد فترة قصيرة وفور صدور أغان جديدة بعدها. فالفن الحقيقي والأصيل هو فن حي لا يموت بينما الفن الشكلاني الذي لا يعتمد على أسس متينة ليس لديه المناعة ليعيش ويدافع عن نفسه فترة طويلة.
 
حدثنا عن مشوار الدراسة ومحطة فرنسا وصولاً إلى تجربتك في جامعة الـLAU اللبنانية وما لمست معها من طاقات تمثيلية لدى الجيل اللبناني الشاب؟ كيف تصف أسلوبك التعليمي؟

بالنسبة الى فترة فرنسا، أعتبر نفسي محظوظاً أني تعلمت وعملت مع أحد أهم الأسماء العالمية في مسرح الشمس في باريس (أريان منوشكين)، وتجربتي هناك أعوام 2004 و2005 و2006 أعتبرها، بالإضافة لسنوات دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، من أكثر السنوات فائدة لي على الصعيد التعليمي والمهني والتي أكسبتني خبرة كبيرة هي عصارة كبار الأساتذة ونتاجهم. 
أما تجربتي مع الطلاب في لبنان في الجامعة اللبنانية الأميركية فقد كانت تجربة ممتعة. وكان بينهم مواهب تمتلك من الحماسة الكثير، ولكنها تحتاج إلى فرص تقدمها بشكل جيد، وللأسف هذه الفرص المقدمة لهم في الحياة العملية أقل بكثير من أعداد المواهب الشابة. مع أنه في السنوات الأخيرة ازدادت فرص العمل الدرامي في لبنان، ولكن للأسف قسم كبير من هذه الفرص لا تذهب باتجاه المواهب الشابة أو الأكاديمية، مع أنها موجودة بكثرة بين المتخرّجين الشباب.
 أما عن سؤالك كيف أصف أسلوبي التعليمي، فأنا لا أعتبر نفسي أن لديّ من التجربة أو الخبرة التدريسية ما أوصلني لأن يكون لدي (أسلوب تعليمي).
فالأسلوب الذي كنت أتبعه خلال تدريسي هو أشبه بأسلوب أساتذتي الكبار الذين درّسوني والذين تتلمذت على أيديهم، ربما مضافاً إلى ذلك شيء من رأيي أو من تجربتي الصغيرة. وهذا قد يعطي طريقة أو خصوصية في طريقة تدريسي وتعاملي مع الطالب، ولكن بدون شك لا يصل إلى أن يكون كما تقولين (أسلوباً تعليمياً).
 

 
لقبك "أبو ليلى" وهو يحمل اسم الوالدة وهي مسألة غير تقليدية عربياً. هل لذلك علاقة بطبيعة العلاقة مع الوالدة رحمها الله أم جزء من شخصيتك وثقافتك كإنسان؟
 هو أولاً له علاقة بخصوصية العلاقة التي تربطني بوالدتي رحمها الله، والتي أعتبرها شخصاً استثنائياً بكل المقاييس، ولها الفضل الأكبر في بناء شخصيتي وفي كل ما وصلت إليه. فكل ما هو جيد في شخصيتي اكتسبته من والدتي أولاً ومن والدي ثانياً. وكل ما هو غير ذلك أكسبتني إياه الحياة. ومن ناحية أخرى في مجتمعاتنا الشرقية يشعرون بالسعادة أكثر عندما يكون المولود ذكراً، الأمر الذي لا أوافق عليه، ولذلك اخترت أن أكنّى باسم أنثى (أبو ليلى)، ففي ذلك برأيي شيء من تكريم للأنثى وإنصاف لها وتصريح عن حبي لها، سواء كانت الأنثى الأم أم الابنة أم الأنثى بعامة. ومن ناحية أخرى، لا أوافقك على أنه أمر غير معروف عربياً أن يكنّى الرجل بأبو (اسم أنثى) فالرسول الكريم محمد هو أبو الزهراء، والسيد المسيح يعرف بابن مريم. ولا يمكن أن نذكر عنترة مندون أن نذكر اسم عبلة أو جميل بثينة ... أي ارتبط اسم العديد من الرموز الهامة في مجتمعاتنا باسم أنثى، وبالتأكيد لهذا دلالة كبيرة عند من يعيها ويفهمها.
 
يعرف عنك انفتاحك على الأديان والمناداة بدولة علمانية، هل تعتقد أن ليلى لو ولدت يوماً قد تتزوج زواجاً مدنياً في سوريا لو أرادت؟
 أتمنى ذلك، مع أنني للأسف لا أتوقعه أن يحدث في بلادنا في المدى المنظور، مع التأكيد أن الزواج المدني أو الممارسات العلمانية المدنية لا تلغي الدين. على العكس هي تحترمه وتحترم كل من يريد أن يمارس ما يؤمن به. ولكنها لا تجبر الآخر على ممارسة شيء غير مؤمن به. وهذا الموضوع موجود أصلاً في صلب ديننا. فقد قال ربنا في القرآن الكريم (لا إكراه في الدين). وقال في سورة ثانية مخاطباً الكافرين (لكم دينكم ولي دين) أي أعطاهم حرية ما يريدون ولم يجبرهم على شيء. ولذلك هناك الحساب في يوم القيامة.
 
كم تحتاج مجتمعاتنا العربية من الوقت لتدرك أن الدولة العلمانية لا تلغي الدين؟ 

للأسف تحتاج الكثير من الوقت والكثير من الوعي الاجتماعي، ومن دون شك تتحمل الحكومات في بلادنا مسؤولية ذلك. يجب أن تعمل على التوعية الاجتماعية بشكل حقيقي وفعّال وليس بشكل شكلاني واستعراضي. وأن يكون لكل شخص حرية ممارسة معتقداته الدينية، وأن يحترم ذلك من قبل الجميع. وأن يكون رجال الدين والقائمون على المؤسسات الدينية على سوية فكرية ودينية عالية وصادقة وحقيقية تؤهلهم لتحمل مسؤولية الدور الهام والحساس الذي يتصدون له. وأنا شخص أحب ديني كثيراً وأمارس طقوسي الدينية، وفي المقابل أحب أن يمارس غيري ما يؤمن به ويحبه. هذا الأمر الذي هو حقيقة في عمق جميع الأديان، ولكنه يتناقض مع جميع الطوائف. ولذلك أحب جميع الأديان بقدر رفضي لجميع الطوائف.
 
كل إنسان يعيد النظر للحياة بعد الأزمات الكبيرة أو النجاحات الكبيرة. ماذا عنك؟

من الضروري أن نمر بأمور كهذه كي نستفيد منها، لأنها حقيقة هي من يصنعنا. ونحن عندما نتجاوزها سنكون أفضل وأقوى وأكثر خبرة. فالبحر الهادئ لا يصنع بحاراً ماهراً.
 

 في التعريف عن سيرتك التمثيلية يظهر "باب الحارة"، وإلى جانبه عبارة دور بارز. كيف توجز نهاية المشوار مع هذه السلسلة السورية؟
 
هذا العمل قدم لي الكثير. وأنا بالمقابل لم أتوانَ عن أن أقدم له كل ما أستطيعه، وأعتقد أني وفقت بذلك. لقد ساهم هذا العمل في نجاحي وساهمت أنا بالمقابل في نجاح الأجزاء التي شاركت فيها.
 
شروطك الفنية الدقيقة للمشاركة في أي عمل أي فرص تفوّت معها؟

هناك شروط فنية وإنتاجية يجب أن تتوافر لكي أشارك في أي عمل. وعندما أقول إنتاجية لا أقصد فقط أجري بل أيضاً أن تستطيع الشركة أن تقدم للعمل ما يحتاجه بمستوى جيد. ويمكن أحياناً أن أقرأ نصاً جيداً ولا تعجبني الشخصية، أو تعجبني الشخصية ولكن نص العمل ككل لا يكون مستواه جيداً. وربما قد لا أتفق مع الطرح الفكري للعمل أو أن العمل لا يضيف لي أي شيء أو لا أستطيع أن أقدم فيه ما هو جديد ومختلف أو أي إضافة. وبالتالي من وجهة نظري أي من هذه الأمور ستؤدي إلى اعتذاري عن العمل. فبالنسبة إلي العمل الذي لا يحقق الشرط الفني والإنتاجي الجيد عدم مشاركتي به أفضل، لأن المشاركة في أي عمل سيئ ستهدم خطوات عملت عليها جيداً على مدى سنوات طويلة وأخذت مني الكثير.
 
أعجبتنا عبارة نشرتها في صفحتك الخاصة على موقع "انستغرام": "إذا كان بإمكانك تعليم الناس شيئاً واحداً فقط... ماذا سيكون؟". هل يمكنك الإجابة عن هذا السؤال؟
روعة الإنسان ليس بما يملكه بل بما يمنحه. فالشمس تملك النار لكنها تملأ الكون نوراً.
 
ما هي خطوتك التالية فنياً؟ هل ثمة ما يطبخ؟
هناك ما يطبخ على نار هادئة طبعاً لكي يكون ألذ (ضاحكاً). وأعدكم عندما تستوي الطبخة جيداً ستكونون على موعد مع خبر طازج ومائدة فنيّة شهيّة

رابط اللقاء الأصلي:

https://www.annaharar.com/arabic/arts/20122020123225105

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
هل تفضل تنظيم الإعلانات والتسويق الإلكتروني على الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي؟
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع
النتائج
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع